جان لوئيس بوركهارت
352
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
والسواكنية يشاركون جيرانهم بدو الصحراء هذه الرذائل ويفوقونهم غلظة وقسوة . وإذا كان التجار السواكنية في القافلة قد أمسكوا عن الإساءة إلىّ فلا يتخذن القارئ هذا دليلا على رقة فيهم أو حنان ، فإن خوفهم من الترك - وهو خوف إشاعة في قلوبهم فتح محمد على للحجاز - وخوفهم من أن يناقشوا أعسر الحساب لو عرف في سواكن وجدة أنهم أساءوا معاملة « عثمانلى « * » » مثلي - هذا الخوف كان على الأرجح وازعا قويا يكف عنى أذاهم ، وإن لم يبلغ من القوة مبلغا يحملهم على إبداء أقل عطف نحوى خلال الرحلة . ولست أذكر أنهم تنازلوا ولو مرة فعاونونى على وسق جملي أو ملء قربتى ، أو فسروا لي مرة ما يعجم علىّ من كلام القوم ، أو أدوا لي خدمة من هذه الخدمات الصغيرة التي يؤديها المسافرون بعضهم لبعض . بل إنهم - على نقيض ذلك - أكرهونى غير مرة على أن أقاسمهم زادي ومائي ، وكثيرا ما أرسلوا إلىّ في العشاء عبيدهم يسألونني بعض عشائى لسادتهم أو يستأذوننى في أن يشارك أحد عبيدهم عبدي طعامه بحجة أنه لم يجد وقتا يطهو فيه عشاءه . وقد كانت مخالطة السواكنية للبدو النوبيين ، وعدم استقرار حكومتهم ، أهم الأسباب فيما أصاب أخلاقهم العربية القديمة من انحلال وتدهور . وأنت تجد لهم - أنى تنقلت بين سواحل البحر الأحمر - طابعا واحدا يتميزون به هو الجشع والعقوق ، أو كما قال عنهم عربى من أهل ينبع « حتى إذا سقيتهم من ماء زمزم فيخلوك تموت من الظمأ ولو كان بيرهم مليان » . ويشهد على هذا الطبع كل من أتيح له الاطلاع على دخائل بيوتهم . وفي سواكن لا يحترم الناس غير قانون الغابة وحده ، ومن العبث أن تحاول أداء مصلحة لك في المدينة ما لم تشتر حماية حدربى ذي بأس . وتنشب المعارك الدامية بين السكان كل يوم ، وترى على جسومهم - ولا سيما على ظهورهم - ندوب الجراح التي يصابون بها في هذه المعارك . وليس القتل عندهم نقيصة تغض من قدر الرجل ، بل إنه ليفاخر بعدد صرعاه في هذه المشاجرات وبما أدى من دية عنهم . وقبل ثلاث سنوات أو أربع روع أهل المدينة كلها عبد لأحد كبار الحداربة . وكان العبد
--> ( * ) اتخذت لنفسي لقب « عثمانلى » حين بارحت شندى بعد أن سمعت فيها أن للباشا عاملا بسواكن وآخر بمصوع .